ياسر الزعاترة
التاريخ أعلاه يوم مجيد كتب وسيكتب بحروف من نور؛ لأنه تاريخ انتفاضة العرب في وجه الظلم والفساد. صحيح أن جسد البوعزيزي كان عنوانَ اشتعالِ الثورة في تونس ومن ثم الإطاحة بطاغيتها، لكن الثورة في مصر تظل الحدث الأبرز.
مصر هي عنوان الثورة الأهم؛ لأنها ثقل العرب وعنوان عزتهم، فهي الداء حين تكون مريضة، وهي الدواء حين تشفى وتتعافى، إذ هي التي تقود القاطرة. قاطرة العرب نحو العزة والكرامة والوحدة.
مصر وشبابها الأبطال علموا العالم من جديد أبجديات الثورة، وصاروا مثالا يذكره أحرار العالم أجمع في كل مظاهرة وكل منتدى.
مصر رفعت رأس العرب عاليا، وأثبتت من جديد أننا أمة حية تعرف ما تريد، وتناضل بكل ما أوتيت من قوة؛ حتى تحقق ما تصبو إليه.
مصر بانتصارها على الفرعون تعلن أن الأمة ستنتصر على سائر الفراعنة؛ الصغار منهم والكبار، فهي "الباروميتر" الذي يقيس حرارة الثورة في جسد الأمة.
احتفلت مصر يوم الأمس بثورتها، وكنا معها نحتفل بأرواحنا التي كانت تهفو إلى ميدان التحرير وسائر ميادين الحرية في "المحروسة". تلك الميادين التي تخرج فيها جحافل الشهداء وارتقوا إلى العلى رافعين شعار الموت ولا المذلة.
مصر بالأمس تذكرت شهداءها، ومعها تذكر العرب جحافل شهدائهم أيضا، أولئك الذين صنعوا ويصنعون فجر الانتصار، وفجر الحرية وفجر الكرامة.
وإذا كانت مصر انتصرت، وما زالت تلملم روحها من أجل تأكيد الانتصار، فإن الآخرين يفعلون ذلك أيضا، من تونس إلى اليمن إلى ليبيا، إلى سوريا التي تواصل بذل أغلى الدماء في سبيل الحرية.
سوريا التي ينكرها الصغار بحجة أن نظامها مقاوم وممانع. سوريا التي ينكرها الصغار لأن نظامهم العتيد الذي دشن مبدأ الوراثة لا يستحق الرحيل، مع أنه الأولى بالرحيل قبل غيره من الأنظمة.
في تونس بدأ فجر الحرية لهذه الأمة، وفي مصر ارتفعت الراية وانزرعت في ضمير الأمة، ولم يعد بوسع أحد أن يهزها أو يزعزع رسوخها، ومن سوريا سيكون فجر جديد آخر يؤكد أننا ماضون نحو زمن الحرية بعزم وثبات لا يلين.
نحتفل مع المصريين بذكرى ثورتهم المجيدة، ونردد معهم أغاني الحرية والكرامة، ومعهم نصبو إلى فجر جديد لا مكان فيه للطغاة، ولا مكان فيه للقمع وتكميم الأفواه، ومن هناك نظل نهفو بأرواحنا صوب فلسطين التي تنتظر الخلاص على أيدي من صنعوا الثورات في ربيع العرب.
فلسطين حاضرة في ضمير الثائرين، كانت وستبقى، ومن يعتقد أن ربيع العرب ليس ربيع فلسطين، لا يعرف هذه الأمة ولا يدرك ما يعتمل في ضميرها، وسيظل ينقب في التصريحات عن كلمات تؤكد أن الربيع أمريكي وأن الفائزين في انتخاباته سيحافظون على ذات العلاقة مع العدو، مع أن الجميع يدرك أنها محطة عابرة، ولن يكون القادمون إلى سدة الحكم إلا معبرين عن ضمير شعوبهم الذي لا تتحرك بوصلته إلا نحو فلسطين وقدسها وأقصاها.
لمصر المحروسة نبعث أجمل التهاني، ونبث أروع المشاعر، ولتونس قبل ذلك واليمن وليبيا (ولا نستثني البحرين)، ولكل السائرين على دروب الحرية في مدن العرب وقراهم، ونخص بالذكر أولئك الذي يتلقون الرصاص الحي في مدن سوريا وأريافها.
سلام على شهداء مصر، وعلى شهداء الثورات العربية، وعلى شهداء فلسطين والعراق وكل القابضين على جمر الحرية، من قضى منهم، ومن ينتظر ولم يبدل تبديلا.
نقلا عن صحيفة الدستور